أحمد بن ابراهيم النقشبندي
244
شرح الحكم الغوثية
المشاهدة والمحادثة ، ويسمع من الحق تعالى الخطاب ، ويتشرّف بكل معنى يستطاب من غير حرف ولا صوت ولا جهة ، ويسمّى مثل هذا في عرفهم بالإلهام « 1 » ، وهذا أمر يصعد في ابتداء الإيمان حتى يصل صاحبه إلى مقام الإحسان ، ويصير له هذا الأمر مشاهدا بالعيان . وإلى هذا المقام أشار صلى اللّه عليه وسلم في وصفه لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث قال أو كما قال : « إنه كان فيمن قبلكم مكلمون ، وإن عمر منهم » « 2 » . ولذلك قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه في حزبه : وهب لنا مشاهدة تصحبها مكالمة .
--> ( 1 ) إن القيام بالطرائق يورّث الحقائق ؛ لأن المجاهدات تورّث المشاهدات ، فمن لا شريعة له ؛ لا معرفة له ، ومن لا طريقة له ؛ لا حقيقة له ، فلكل منزل طريق ، ولكل طريق سالك ، فمن مشى على طريقه ؛ وصل إلى مراده بإعانة اللّه تعالى وتوفيقه ، فظهر أن الآية خطاب إلى كلا الفريقين عبارة وإشارة ، وقد يحصل إلهام من اللّه في أمر من الأمور بدل فعله ، أو تركه ، ويحصل له شواهد أيضا . فذلك الإلهام يجب أن يعمل به ؛ لأنه إلهام ربّاني وإلقاء رحماني ، وإن لم يحصل له شواهد ؛ فذلك مما يترك ، ولا يعمل به ؛ لأنه خاطرة نفسانية ، ووسوسة شيطانية ، وعلى هذا أجرى أهل اللّه تعالى في كل عصر ، ومصر يعني : عملوا بما أمروا به ؛ إذ ليس للشيطان عليهم سبيل ، ولا للنفس الأمّارة عليهم استيلاء سواء كان المأمور به الهجرة من دار إلى دار ، أو غير ذلك من الأمور الشاقة على غيرهم . فإن غيرهم يلعبون بنفوسهم وطبائعهم ، فلهم الاستئناس بالأمور البشرية الحسيّة ، ولهم التعلّق بالأشياء الفانية الصورية ، وذلك الاستئناس والتعلّق يمنعهم عن التجرّد والتبتّل ؛ فهو الذي يقال له : الحجاب . ولعلماء الرسوم حظ وافر من ذلك ، فإنهم إذا تقلّدوا مدرسة في بلدة ، أو نالوا غيرها من الحظوظ العاجلة ورأوا أنهم مفحمون في عيون الناس ، ولهم أحباب وطلبة يتردّدون إليهم صباحا ومساء ؛ فهم أعلق بتلك البلدة من علاقة العلقة ببدن الإنسان أو الحيوان ، فلا طريق لهم إلى الحق إلا عند الموت ، وذلك من جهة الجبر لا من طريق الاختيار ، عصمنا اللّه وإياكم من التعلّقات الموجبة للانتقام ، وشرّفنا بالقيام بالحق في كل مقام . ( 2 ) رواه البخاري ( 3 / 1279 ) ، ومسلم ( 4 / 1864 ) .